- أشم رائحة الزيتون. أرى شيخًا هناك، جالسًا تحت شجرة زيتون قرب قبة الصخرة، يستظل بظلها من حر ظهيرة يوليو (تموز)، رفع الأذان، صوت المؤذن تكاد تسمعه من تل الربيع، فجأة تتسارع الخطى وتدب الحركة في دروب المدينة القديمة، أسرح بعيني؛ فأرى الأطفال يلعبون على جنبات الطريق، يسرحون ويمرحون في ساحة البراق.
أسمع أجراسًا تدق من بعيد. هناك تتلى الصلوات والترانيم. أمشي داخل أزقة المدينة القديمة وأجول بين أسواقها العامرة. إحساس لا يوصف. كأنني أعانق معشوقتي بعد فراق طويل. رائحة العطور والتوابل ملأت الأنف وأراحت الخاطر.

أنا الآن قرب باب المغاربة. جلست هناك على الرصيف أتذكر، وأقول في نفسي، لعل جدي كان هنا. أحسست أنني كنت هنا منذ زمن. أكاد أسمع تكبيرات المجاهدين وهم يدخلون من هذا الباب. حاملين سيوفهم وراكبين الخيول البيض.

هناك رأيت يوحنا يمسك بيد محمد، عجوزان يمسكان بيدي بعضهما يمشيان ويدردشان في طريقهما إلى السوق. يتوكأ أحدهما على الآخر، يمشيان بخطى بطيئة لكنهما يعرفان أنهما سيصلان إلى السوق وسيعودان سليمين.

جمعت البلدة القديمة الشامي بالعراقي والمغربي بالأهوازي. لقد جمعتنا كلنا هنا، اجتمع السني بالشيعي والمسلم بالمسيحي. لقد نجح سحر هذه المدينة في جمع جميع النحل. جمعتنا القدس وفرقتنا الأوطان.

فجأة استيقظت، لقد كان حلمًا. يا ليتني لم أستيقظ. لم أصدق نفسي فقمت من فراشي لأطل من النافذة، نعم لقد كنت أحلم. لقد تبخر الحلم وأصبح سرابًا.

استيقظت على وقع الأخبار الكئيبة، اقتحام وإغلاق وجرحى وشهداء. كرهت التلفاز وهجرتها بسبب ذلك. لم أعد أحتمل رؤية تلك الأخبار وتلك الصور.

يا ليتني بقيت نائمًا. وليت العرب استيقظوا.

أغلقت باب غرفتي وبقيت هناك شارد الذهن ومبعثر الأفكار. أحاول استيعاب ما يحدث لكنني لا أستطيع. لم أحتمل البقاء في الغرفة فارتديت معطفي ونزلت أتمشى قليلًا، كنت أسير وحيدًا في ذلك الوقت المتأخر وأفكر في حلمي. لم أكن أعرف إلى أين تأخذني قدماي. ولكنني كنت منزعجًا حقًا.

في الطريق، استوقفتني بركة ماء. نظرت فيها فرأيت وجها شاحبًا، متجعدًا لا تبدو عليه علامات الحياة. فزعت وتقهقرت خطوات إلى الوراء. هل فعلًا هذا هو وجهي؟
استوقفتني البركة واستوقفتني معها الذكريات، ذكريات في حلم. لكن الواقع ما لبث يجرني بكل قوة ولسان حاله يقول، بئس القوم أنتم. لقد شغلتكم الثورات المزيفة والشعارات الغوغاء عن أقصاكم. بئس القوم أنتم، بئس القوم أنتم.

لقد عشقتم الدماء وجريتم خلف الملذات وسرحتم كقطعان الأغنام وراء الأوهام وأضغاث الأحلام. لا زال الواقع يؤنبني ويقول: لقت تبعتم الحمقى، فوعدوكم بالخلاص، فـ(خلصوا عليكم).

حاولت الهروب من الواقع، لكنه لا يزال يجرني. هل فعلًا نحن هكذا؟ لقد اغتصبنا كليًا. لقد سلمنا شرفنا بأيدينا لمغتصبنا واستقبلناه بالورود وودعناه بالزغاريد والأهازيج. صنعنا لأنفسنا أوطانًا وحدودًا ما أنزل الله بها من سلطان. بل فرضنا تأشيرات وإذنا بالدخول. فرقنا العوائل وتهنا وسط الزحام. خلقنا لأنفسنا قومية وعروبة زائفة، لم نر منها سوى الشعارات والخطابات الجوفاء.

لم نعد بشرًا. لقد سلبت منا إنسانيتنا وضمائرنا، لقد أصبح العرب عديمي الإحساس. اسمحوا لي فكلامي قد يبدو للبعض قاسيًا وربما جارحًا أيضًا، ولكننا فعلًا سلمنا كل شيء. لقد أصبحنا مجرد أقنعة متبرجة حضرت حفلة تنكرية.

أصبحنا نرقص في حلكة الليل كالحمقى. أصبحنا نرقص رقصة الديك المذبوح الذي يصارع الموت والحياة. فتعزف له الرياح سمفونية الموت وتنشد له الأشجار ترانيم الوداع، فاعصفي يا رياح وانتحب يا شجر.

هكذا واقعنا، فرقتنا الأوطان وحتمًا سيجمعنا الأقصى. حتمًا سنكون هناك. ستكون يا محمد هناك، وانت أيضًا يا يوحنا ستكون هناك، ماريا ستكون أيضًا هناك. سنصلي معًا أنا وأنت يا محمد في الأقصى، وأنتما ستصليان يا يوحنا وماريا  في القيامة. سنخرج نسرح ونمرح بين دروب وأزقة المدينة القديمة. سنلهو هناك تحت أشجار الزيتون.

هذه المرة لن أستيقظ، بل سأكون مستيقظًا.

ربما ليس اليوم، لكن حتمًا سنكون هناك ذات يوم.